ابن ميثم البحراني
143
شرح نهج البلاغة
بالعبور إليها عبر فإذا صارت تلك القطعة فوق الماء طافية صارت للزحف الثاني الَّذي يريد الخضرة كالأرض ، وربّما نقل لها خواصّ أخرى لا تعلَّق لها بما نحن بصدده . وقوله : وخلقها كلَّه لا يكون إصبعا مستدقّة . الواو للحال : أي أنّه تعالى خلقها على ما وصفت وأودعها من عجايب الصنع ما ذكرت بحيث يخاف منها الزرّاع مع أنّ خلقها كلَّه دون الإصبع المستدقّة ، وهذه الكلمة مستلزمة لتمام التعجّب من خلق اللَّه فيها الأمور الموصوفة حتّى لو قدّرنا أنّها وصفت لمن لم يرها فربّما اعتقد أنّ لها خلقا عظيما تستند إليه هذه الأوصاف ولم يكن عنده تعجّب حتّى نتبيّن مقدار خلقها وصغر صورتها ثمّ لما بيّن بعض مبدعاته ومكوّناته نوّه بزيادة عظمته تعالى وبركته باعتبار كونه معبودا لمن في السماوات ومن في الأرض فله يسجدون طوعا وكرها كلّ بعبادة تخصّه وسجود لا يمكن من غيره مع اشتراك الكلّ في الدخول تحت ذلّ الحاجة إلى كمال قدرته وخضوع الإمكان بين يدي رحمته . وإليه الإشارة بقوله تعالى « ولِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ والأَرْضِ طَوْعاً وكَرْهاً » ( 1 ) وكذلك قوله : ويعفّر له خدّا ووجها . فما كان ذا وجه وخدّ حقيقة فلفظ التعفير صادق عليه حقيقة ، وما لم يكن السجود صادق عليه استعارة لخضوعه الخاصّ به ، ولفظ التعفير والخدّ والوجه ترشيحات على أنّ موضوع السجود في اللغة هو الخضوع وكذلك إطلاق إعطاء القياد ووصف الرهبة والخوف ، ونصبهما على المفعول له . وقول ه : فالطير مسخّرة لأمره . كقوله تعالى « أَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ مُسَخَّراتٍ فِي جَوِّ السَّماءِ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلَّا الله » ( 2 ) وكونها مسخّرة يعود إلى دخولها تحت حكم تصرّفه العامّ فيها قدرة وعلما والخاصّ تخصيصا وتعيينا ، وإحصاء الريش منها والنفس باعتبار تسخيرها تحت تصرّفه العامّ بعلمه تعالى . وإرساؤها : أي تثبّتها على قوائمها في الندى كطير
--> ( 1 ) 14 - 16 . ( 2 ) 16 - 81 .